التنمية البشرية وحقوق الانسان وجهان لعملة واحدة

أوراق عمل
367
0

تمهيد

علاقة حقوق الانسان والتنمية البشرية كعلاقة الروح والجسد فلا يمكن الفصل بينهما فلن تتحقق التنمية البشرية في مجتمع يفتقر الى احترام حقوق الانسان التى بدورها  ستكون مصانة بالقطع في ظل المعدلات التنموية العالية ، كما أن المؤشرات والمعايير التى تقيس حالة حقوق الانسان في مجتمع ما متضمنة في منظومة المؤشرات المتعلقة بحالة التنمية البشرية  في نفس المجتمع ، إضافة الى أننا يمكن أن ننظر الى التنمية من منظور حقوقي باعتبارها حقا إنسانيا أصيلا كما أشارت الى ذلك كثير من  المواثيق الدولية .

وتستمد تلك العلاقة حيويتها من كون الهدف الأسمى لكافة الجهود التنموية هو تحقيق الرفاهية الاجتماعية “Social Welfare ”  . والتى لن تتحقق بإهدار كرامة الإنسان والحط من أدميته وانتهاك إنسانيته واقتحام خصوصيته  والتضييق من هامش الحرية الذى يستحقه  .

وقد اختلفت الرؤى حول علاقة التنمية بحقوق الإنسان طوال العقود الماضية، وخاصة في ظل الحرب الباردة بسبب التنافس بين إعطاء الأولوية للحقوق السياسية أو الحقوق الاقتصادية في الخطاب العام للدول، والمهم هنا هو معرفة حقيقة العلاقة بين حقوق الإنسان والتنمية ورؤية المجتمع الدولي والأمم المتحدة لهذه العلاقة .

و مثلما أن العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان قديمة، فهي جديدة أيضا وتبقي دوما مطلبا آنيا لكل الأمم والشعوب ولكل الأفراد المشكلين لها. وكذا التأكيد على القضاء على مختلف الانتهاكات الواسعة والصارخة لحقوق الإنسان وخاصة الشعوب و الأفراد الذين عانوا من اضطهاد الاستعمار. وكذا الاستعمار الجديد , والتميز العنصري, ومختلف التهديدات الموجهة ضد سيادة الدول ووحدتها الوطنية والسلامة الإقليمية , كل هذا من شأنه أن يؤثر على التنمية بمختلف أنواعها و مسمياتها.

ومهما يكن فإن العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان أساسها هو التأكيد على أن الإنسان هو الموضوع الرئيسي لعملية التنمية .وعليه لا بد أن يكون الإنسان هو المشارك الرئيسي والمستفيد الأساسي في العملية التنموية وعلى أن الحق في التنمية هو حق من حقوق الإنسان غير القابل للتصرف.

إذن العلاقة قائمة، والمفاهيم تتطور وتتغير وتتأثر بالمحيط الاجتماعي والسياسي والثقافي والأمني لكل من الحق في التنمية وكذا النظرة لمختلف حقوق الإنسان.

 

التنمية البشرية : رؤية حقوقية

أجمعت الأطر النظرية والتصورية التى صاغها الخبراء في مجال التنمية البشرية على تعريف التنمية الانسانية باعتبارها عملية توسيع خيارات البشر الى جانب ترسيخ منطق توسيع خيارات الناس بين البدائل المتاحة الأمر الذي يشير الى الحرية كقاعدة مركزية في تحقيق التنمية البشرية.
و التنمية البشرية من منظورها الأصلي تعني حق البشر الأصيل في العيش الكريم ماديا ومعنويا وجسديا ونفسيا وروحيا مما يقود الى نتيجتين رئيسيتين الأولى ترفض جميع أشكال التمييز ضد اي جماعات بشرية بغض النظر عن الجنس والنوع والأصل الاجتماعي و المعتقد.
أما النتيجة الثانية التي يقود لها حق الانسان في العيش الكريم ان مفهوم” الرفاه الاجتماعي”  في التنمية  لا يقتصر على التنعم بالحياة بل يزيد على ذلك ليطال الجوانب النفسية والمعنوية في الحياة الكريمة مثل التمتع بالحرية واكتساب المعرفة والكرامة الانسانية وتحقيق الذات النابع  من المشاركة الفعالة في شؤون المجتمع  .
وحقوق  البشر من حيث المبدأ غير محدودة وهي تتنامي باطراد مع رقي الانسانية و لكن النتيجة ان هناك ثلاثة ااستحقاقات أساسية هي العيش حياة كريمة وصحية والحصول على المعرفة الى جانب توافر الموارد اللازمة لمستوى معيشي لائق ، وتلك المكونات الثلاثة ( الصحة والتعليم والدخل ) هى المكونة لدليل التنمية البشرية الذى تعتمد عليه المؤسسات التنموية الدولية  في تصنيف المجتمعات وترتيبها .

وليس معنى ذلك أن هذه المؤشرات الثلاث فقط هى المشكلة لأبعاد التنمية الانسانية ، ولكنها الأبعاد التى يمكن قياسها على مستوى الدول  ، فهناك منظومة كبيرة من المعايير  تتناول مختلف جوانب الحياة الانسانية والتى يدخل في إطارها كل ما أشارت إليه أدبيات ومواثيق حقوق الانسان وتشريعاته الدولية .
فهي  تشمل الحرية السياسية والاقتصادية بالإضافة الى الاجتماعية وتوافر الفرص للإنتاج والإبداع ,وتتعدى التنمية البشرية ذلك لتصل الى  معاني سامية تتضمن استمتاع الفرد باحترام الذات وضمان حقوقه.
و تقوم عملية التنمية البشرية على محورين أساسين الاول بناء القدرات البشرية الممكنة من التوصل الى مستوى رفاه إنساني راق وعلى رأسها العيش الكريم لحياة طويلة وصحية واكتساب المعرفة والتمتع بالحرية لجميع البشر دون تمييز.
أما الجانب الثاني الذي تقوم عملية العملية التنموية فترتكز على التوظيف الكفء للقدرات البشرية في جميع مجلات الحياة بما فيها الإنتاج و وفعالية المجتمع المدني والسياسي في ظل تأكيد على ان توظيف القدرات يلزمة أفق واسع من الحرية بمعناها الشامل.
من هنا فان ايجاد مجتمعات تتمتع بمستوى مقبول من التنمية يلزمه توفر العديد من الأركان أهمها إطلاق الحريات والتعبير والتنظيم وايلاء اهتمام اكبر بالتعليم الراقي وتعميم البحث والتطوير بالإضافة الى التحول الحثيث نحو نمط إنتاج المعرفة في البنية التحتية .

 

حقوق الانسان والتنمية البشرية في المواثيق الدولية

اهتمت العديد من التقارير والمواثيق والمعاهدات الدولية بالربط بين حقوق الانسان والتنمية البشرية ،  فعلى سبيل المثال كانت   العلاقة بين التنمية البشرية – كأهم فروع التنمية الشاملة – وحقوق الإنسان القضية المحورية لتقرير التنمية البشرية لعام 2000م الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وخلاصة ما جاء في هذا التقرير أن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة، ولا يمكن أن تخضع للانتقاء؛ وذلك لأن هذه الحقوق متشابكة ويعتمد بعضها على البعض، والأمثلة على ذلك كثيرة فمثلاً التحرر من الخوف والعوز يرتبط بحرية التعبير والمعتقد، وكذلك الحق في التعليم للفرد يرتبط بصحته، كما أن هناك علاقة وثيقة بين معرفة الأم للقراءة والكتابة وتمتع أطفالها بالصحة.

و يرجع الباحثون في قضايا حقوق الإنسان جذور العلاقة بين حقوق الإنسان والتنمية إلى الإشارة الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عبــارة “التحرر من العوز” كما هو موضح في ديباجة الإعلان، كما توجد أصول هذه العلاقة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك عندما تَمَّ الربط المباشر بين تقدم حقوق الإنسان وسياسات الحكومات لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتنفيذ برامج التعاون الاقتصادي والتكنولوجي الدولية.

وقد استهدفت المواثيق الدولية أن تكفل برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية للفرد التمتع بحقوقه، وقد أرست القواعد الدولية نظاماً لمتابعة أثر التنمية على حقوق الإنسان والعكس، وذلك بمطالبة الدول بتقديم تقارير عن ذلك للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالأمم المتحدة، وكذلك طالبت الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة، مثل منظمة العمل الدولية ومنظمة اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الفاو بأن تقدم تقارير حول أثر برامجها على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تقع في نطاق اختصاصاتها.

وأقرت الأمم المتحدة مبدأ هامًّا يقول: “إن تكافؤ فرص التنمية حق للدول بقدر ما هو حق للأفراد داخل الدول نفسها”، وقد اعتبرت أن الحق في التنمية هو حق غير قابل للتصرف وأن التنمية تمكن الإنسان من ممارسة حقوقه وأن الدول مطالبة بإتاحة تكافؤ الفرص للجميع ضماناً لوصولهم إلى الموارد الأساسية وإلى التعليم والخدمات الصحية والغذاء والإسكان والعمل والتوزيع العادل للدخل.

و قد كان  إعلان الحق في التنمية الذى اعتمد ونشر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 41/128 المؤرخ في 4 /ديسمبر  1986  تجسيدا واضحا للعلاقة الوثيقة بين التنمية البشرية وحقوق الانسان فقد  جاء فيه أن التنمية عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم على أساس مشاركتهم، النشطة والحرة والهادفة، في التنمية وفى التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها،

و أن  لكل فرد الحق ، بمقتضى أحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أن يتمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن فيه إعمال الحقوق والحريات المبينة في هذا الإعلان إعمالا تاما، كما  أشار في ذلك  إلى أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،

و أشار  كذلك إلى ما يتصل بذلك من  الاتفاقيات والقرارات و التوصيات والصكوك الأخرى الصادرة عن الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة فيما يتعلق بالتنمية المتكاملة للإنسان وتقدم وتنمية جميع الشعوب اقتصاديا واجتماعيا، بما في ذلك الصكوك المتعلقة بإنهاء الاستعمار، ومنع التمييز، واحترام ومراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وحفظ السلم والأمن الدوليين، وزيادة تعزيز العلاقات الودية والتعاون فيما بين الدول وفقا للميثاق،

كما أشار ر إلى حق الشعوب في تقرير المصير الذي بموجبه يكون لها الحق في تقرير وضعها السياسي بحرية وفى السعي إلى تحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحرية، وحقها في ممارسة السيادة التامة والكاملة على جميع ثرواتها ومواردها الطبيعية مع مراعاة الأحكام ذات الصلة من العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان،

كما أوضح  أن تعزيز التنمية يقتضي إبلاء الاهتمام على قدم المساواة لإعمال وتعزيز وحماية الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنظر فيها بصورة عاجلة وأنه لا يمكن، وفقا لذلك، أن يبرر تعزيز بعض حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها والتمتع بها إنكار غيرها من حقوق الإنسان والحريات الأساسية،

كما أكد على أن  الإنسان هو الموضع الرئيسي لعملية التنمية ولذلك فانه ينبغي لسياسة التنمية أن تجعل الإنسان المشارك الرئيسي في التنمية والمستفيد الرئيسي منها، و  أن الحق في التنمية حق من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف، وأن تكافؤ الفرص في التنمية حق للأمم وللأفراد الذين يكونون الأمم، على السواء.

دعم المجتمع الدولي والأمم المتحدة للقضية

دعم المجتمع الدولي بكافة مؤسساته الرسمية والأهلية قضية الربط بين التنمية وحقوق الإنسان، وتم هذا الدعم من خلال عدد من المؤتمرات العالمية منذ عام 1986م، وكان أهم هذه المؤتمرات :

ـ المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في ” فيينا ” عام 1993م.

ـ مؤتمر السكان والتنمية “في القاهرة” عام 1994م.

ـ مؤتمر التنمية الاجتماعية في “كوبنهاجن” عام 1995م.

والملاحظ أن دعم المجتمع الدولى والأمم المتحدة لقضية التنمية وحقوق الإنسان، جاء في صورة تأكيد على عدد من المبادئ والأسس التى اعتبرتها الأمم المتحدة أساساً لتمتع الإنسان بعائد عمليات التنمية، حيث اعتبرت أن المشاركة والتعددية هما أساس التنمية الاقتصادية، ودعت إلى تعزيز سياسات وبرامج المنظمات غير الحكومية كجزء من المشاركة الشعبية وإبراز حريات الرأي والتجمع وتكوين الجمعيات التى تناقش قضايا التنمية.

ومن خلال دراسات الأمم المتحدة تبين أن أكثر القضايا إلحاحاً في عملية التنمية التي تؤثر على حقوق الإنسان، هي:

ـ تخفيف حدة الفقر.

ـ القضاء على مشكلة البطالة.

ـ تعزيز التكامل الاجتماعي.

وتبين أيضاً أن هناك ثلاث عقبات تحول دون إدماج حقوق الإنسان في عملية التنمية، وهي:

ـ أزمة الديون وما يترتب عليها من أعباء تقع في النهاية على عاتق الفرد.

ـ سياسات وبرامج الإصلاح الاقتصادي والأعباء التى تقع على عاتق الدول النامية لإنجاز هذه البرامج والسياسات التي – غالبًا – ما يكون لها آثار اجتماعية تنعكس على نوعية الحياة التى يعيشها الفرد.

ـ تذرُّع الحكومات بأسباب داخلية أو خارجية لتبرر عدم مراعاتها الحقوق والحريات الأساسية للأفراد.

خاتمة

من خلال الاستعراض السابق لمسألة العلاقة بين حقوق الانسان والتنمية البشرية يمكننا أن نضع أيدينا على جذور تلك العلاقة ونتعرف على مدى مركزيتها ومحوريتها وضرورة أخذها في الاعتبار عند تخطيط وتنفيذ أي نشاط يستهدف أيا من المجالين الحقوقي والتنموي .

لذا وفى ضوء كل ذلك فإننا نوصى بـ :

  • ضرورة مراعاة البعد الحقوقي في صياغة استراتيجيات وخطط التنمية سواء على المستوى الحكومي أو على مستوى التنظيمات الأهلية .
  • ضرورة ايلاء الجهات المانحة الاهتمام الكافي لمدى تضمين البعدين الحقوقي والتنموي في كافة المشروعات التى تقوم بتمويلها .
  • لا بد أن تهتم مؤسسات البحث والمعنيين بتقييم برامج التنمية من الناحية العلمية بدراسة الأبعاد الحقوقية في تلك البرامج .
  • تطوير مؤشرات علمية وموضوعية يمكن استخدامها لتسهيل مهمة قياس المكون الحقوقي في برامج التنمية والحكم على مدى جودته .
  • ضرورة التعاون بين المؤسسات الأهلية المعنية بحقوق الانسان والمؤسسات المعنية بالتنمية لمزج وتبادل الخبرات بينها .
  • الاهتمام الإعلامي بمسألة الربط بين حقوق الانسان والتنمية البشرية لتشكيل وعى عام بهذه القضية .

 

تعليقات الفيسبوك

اترك رد