المجالس الشعبية المحلية

دراسات
261
0

تقديم

إن تطوير الإدارة المحلية أصبح حتمية أولى على جدول أولويات المجتمع الإنمائية، فالتطوير الإداري هو الذي يستهدف أولا خلق إدارة قادرة على التنمية ،  وإذا تابعنا الحديث عن إدارة التنمية فإننا سنجد أن في خلق الإدارة المحلية المؤهلة خطوة أساسية على هذا الطريق. وبالطبع فإن بناء نظام متطور للإدارة المحلية لا يأتي بمجرد إصدار قوانين أو مراسيم خاصة بذلك. وإنما لابد من الانسجام بين ما تقدمه القوانين وبين ظروف ومقتضيات التطور.

وقد شهدت السنوات الماضية اهتماما متزايدا بموضوع الإدارة المحلية. وقد جاء هذا الاهتمام في إطار الاتجاه إلى توسيع نطاق مشاركة المواطنين ودورهـم في عملية الحكم Governance وتقليص أدوار الدولة ومنح القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني دورا أكبر في عملية التنمية. وقد عبرت عن ذلك الاهتمام تقارير المؤسسات الدولية عن التنمية في العالم تحت العديد من العناوين مثل “جعل الدولة أكثر قربا من الناس”، و”التحول إلى المحليات”، و”تحقيق اللامركزية وإعادة التفكير”. لذا فإن الإدارة المحلية تحتل مركزا هاما في نظام الحكم الداخلي، كما تقوم بدور فعال في التنمية الوطنية، وتتميز بأنها إدارة قريبة من المواطنين نابعة من صميم الشعب.

ولأن الإدارة المحلية نابعة من صميم الشعب فهي وحدها التي تستطيع تأكيد وحدة المجتمع باستثارة الرأي العام المحلي للاهتمام بالمشكلات الإنسانية وإشراك المواطنين في الوصول إلى حلول لها. فالمساهـمة الشعبية هي روح الإدارة المحلية، والمحور الذي ترتكز عليه، ولقد أصبح من الأمور المؤكدة أن على الإدارة أن تلعب دورا أساسيا في عملية التنمية الشاملة التي لا توجد دولة إلا ويدفعها الطموح أن تقطع أشواطا ملموسة على طريقها .

وقد واجه نظام الإدارة المحلية  منذ مطلع القرن العشرين تحديات تتصل بالتحولات التي شهدها العالم، وهي تحولات سريعة وكبيرة استطاعت بالفعل أن تغير وتحول مجرى التاريخ، وأن تتحكم في مصير العالم ولمرحلة تاريخية قادمة لم تحدد معالم أبعادها. وأهـم هذه التحولات:

أولا: الثورة التكنولوجية وما خلفته من تحولات وما زالت تخلفه.

ثانيا: الثورة الحضرية وتتمثل في الاتجاه الواضح نحو حياة المدينة والهجرة من الريف والقرية إلى المدينة.

ثالثا الثورة الإنسانية من أجل تحقيق كامل لحقوق الإنسان.

رابعا: الانفجار السكاني وبروز الزيادات الضخمة في عدد السكان، وما تفرضه هذه الزيادات من زيادة موازية في الحاجات والمتطلبات المختلفة، والأخذ بأنماط جديدة من التخطيط الاقتصادي والاجتماعي. مما استدعى إحداث تطوير في نظم الإدارة المحلية في الدول المتقدمة والنامية على السواء.

وتعد المجالس الشعبية المحلية في مصر على مختلف مستوياتها المدرسة الأولية التي يتعلم فيها المواطن ألف باء السياسة، لما تتيحه من فرص المُشاركة، ووجود حُكم محلى ما هو إلا نتيجة للتوسع الكمي في وظائف الدولة الحديثة وواجباتها، والتوسع الكيفي في حقوق المواطنين.

وقد مرت مصر على مدار عقود بعدة مراحل تنظيمية لإدارة شئون البلاد، تم من خلالها تقسيمات عديدة وبمُسميات مختلفة، إلى أن استقر الأمر على تقسيم الجمهورية إلى وحدات إدارية تتمتع بالشخصية الاعتبارية، منها المحافظات والمُدن والقرى، ويجوز إنشاء وحدات إدارية أخرى تكون لها الشخصية الاعتبارية إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، وقد تم إنشاء مجالس شعبية بمستويات مختلفة تعمل على إدارة شئون المواطنين وتوفير المرافق والخدمات المعيشية اللازمة لهـم.

وتهدف المجالس الشعبية المحلية إلى:-

-المُشاركة في صنع السياسة العامة

-توزيع السلطة في الدولة بين الجماعات والمصالح المتنوعة

-إتاحة الفرصة لمُشاركة المواطنين في إدارة شئونهـم المحلية بأنفسهـم

– تحقيق كفاءة تقديم السلع والخدمات المحلية.

– تطوير الموارد البشرية.

والمحليات هي الشق الشعبي في العمل المحلي و لها دور كبير في المجتمع والتنمية حيث يناط بها مناقشة الخطط وتوزيعها ومراقبة الجهاز التنفيذي والتسهيل علي المواطنين في أداء الخدمات لهـم، كما أنها تشارك حاليا بنص الدستور في الانتخابات الرئاسية ومن هنا يجب الاهتمام بها ومحاولة تقويتها وإعطائها الفرصة للقيام بدورها كاملا.

والمجالس الشعبية المحلية بمستوياتها المختلفة تختص بالرقابة والإشراف على المرافق والأعمال التي تدخل في اختصاص الوحدات المحلية، فضلاً عما تمارسه المستويات العليا لهذه المجالس من صلاحيات رقابية على المستويات الأقل، كما تحظى تلك المجالس بصلاحيات قانونية تخولها سلطة الإشراف والمتابعة والإقرار على نشاط الجهات الخاضعة للرقابة، بهدف الوقوف على حُسن قيام الأجهزة بالمهام الموكلة إليها، ومدى التزامها بالخطة الموضوعة وذلك من خلال آليات مُعينة.

وقد أدخل نظام المحليات في مصر بهدف تشجيع المشاركة الشعبية المحلية أي مركزية التخطيط مع عدم مركزية التنفيذ. وتعتبر المجالس المحلية بالمحافظات والمراكز والمدن والقرى المختلفة هي الجهات المختصة بتنفيذ خطط وبرامج التنمية المحلية، حيث منحها القانون حق ممارسة السلطة البوليسية القضائية في تنفيذ قوانين التخطيط وتقسيم الأراضي والبناء وغيرها من التشريعات العمرانية بهدف النهوض بعمليات التنمية الحضرية والارتقاء بمستوى المجتمع .

ورغم عراقة المجالس الشعبية المحلية وعمق التجربة المصرية التي تعود إلي نهاية القرن التاسع عشر في مجال المجالس المحلية، إلا أن دورها وحدود عملها مازالت بحاجة إلي المزيد من التوضيح ليدرك الجميع أهـمية هذه المجالس وأهـمية المشاركة في اختيار أعضاء هذه ‘البرلمانات المصغرة’ المنوط بها متابعة تنفيذ خطط التنمية والرقابة علي الأجهزة التنفيذية في الأحياء والمدن والمحافظات..

وتعترض المجالس الشعبية المحلية مجموعة من المشكلات المتعلقة بالاختصاصات والصلاحيات والعلاقة بين السلطة التنفيذية والشعبية على المستوى المحلي ، وكذلك مشكلات متعلقة بالتمثيل النسبي للفئات المختلفة خاصة المرأة داخل المجالس المحلية ، ومشكلات أخرى متعلقة بسيطرة النزعات القبلية على عمل المجالس الشعبية وتدخل ذوي النفوذ في توجيه مناقشات المجالس ، بالإضافة إلى غياب أو محدودية التمثيل السياسي للقوى المعارضة في هذه المجالس ، وما يشوب العملية الانتخابية من تجاوزات في كثير من الأحيان .

وهناك رؤى كثيرة مطروحة الآن في المجتمع المصري فيما يتعلق بتطوير نظام المحليات ككل والاتجاه نحو اللامركزية وتفعيل دور المجالس الشعبية المحلية في الرقابة على الجهات التنفيذية  وإعطائها صلاحيات أكبر  وأوسع بما يصب في صالح تحقيق التنمية المحلية الشاملة ، كما يجري حاليا الإعداد لقانون جديد  للإدارة المحلية  ربما يحمل كثير من التعديلات على الهيكل القائم .

كل هذه الأمور تفرض ضرورة الدراسة المتعمقة لواقع النظام المحلي المصري والمجالس الشعبية المحلية تحديدا ومقارنته بغيره من النظم المحلية بغرض التعرف على المشكلات التي يعاني منها والمعوقات التي يتعرض لها والوصول إلى رؤية لتفعيل دور هذه المجالس وزيادة كفاءتها ، وهو ما سنحاول تضمينه في الفصول التالية .

 

 

أيمن عقيل

      القاهرة

     خريف 2009

 

 

تعليقات الفيسبوك

اترك رد