الانتخابات البرلمانية المصرية .. قراءة في الدلالات

المقالاتفي الصحف
870
0

انتهت المرحلة الأولى للانتخابات النيابية المصرية  لكن دلالات وتداعيات  هذه المرحلة لم تنتهي بعد ، والجدل المجتمعي حول ايجابياتها وسلبياتها سيظل قائما لأسابيع قادمة على الأقل ،  لكن  يبقي الملفت للنظر في هذا الجدل  هو خلوه من تلك الاتهامات التقليدية التي كانت توجه لانتخابات ما قبل يناير 2011 .
إذ لم تعد تحيزات الدولة وتدخلاتها ووقائع التزوير المنهجي  والتلاعب الصريح بأصوات الناخبين والطعن في حياد الهيئة المشرفة على العملية الانتخابية هي موضع السخط والنقد من القوى السياسية والفاعلين في المشهد المصري  ، خاصة بعد أن وضعت ثورة المصريين حدا فاصلا لهذه الممارسات .
لكن النقاط الجديدة مثار الجدل الآن هي  سلوكيات المرشحين ومدي تأثير المخالفات التي ارتكبها الكثير منهم على نتائج العملية الانتخابية ، بالإضافة للقضية الأهم والأبرز وهي المتعلقة  بمعدلات المشاركة المنخفضة  في التصويت بالمرحلة الأولى لانتخابات البرلمان ،  وهي المعدلات التي وصلت – وفق البيان الرسمي الصادر عن اللجنة العليا للانتخابات – إلى أكثر بقليل من 26% من إجمالي المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين   .
مقارنة بانتخابات الرئاسة التي أجريت في مايو 2014 ، أو بالانتخابات البرلمانية التي أجريت نهاية عام 2011 ومطلع 2012  تعد هذه المعدلات منخفضة كثيرا ،  لكنها تبقي أعلى بكثير من متوسط المشاركة التصويتية للناخبين قبل ثورة يناير 2011 ، وقد فتح هذا الانخفاض الباب واسعا أمام جدل مجتمعي حول مبررات ودوافع تلك المشاركة الهزيلة ..فهل  تعبر عن حالة مقاطعة للعملية الانتخابية ؟ أم أن هناك دوافع أخرى تقف وراءها  بعيدا عن التفسيرات السياسية ؟
دعونا نقر بداية أن معدلات المشاركة كانت بالفعل منخفضة لا تتناسب مع أهمية البرلمان القادم ، ولا تتناسب مع ما تتطلبه المرحلة الدقيقة التي تمر بها مصر من مشاركة واسعة للمواطنين في إدارة الشأن العام ، إلا أن اعتبار معدلات المشاركة المنخفضة جزء من حملة مقاطعة للعملية الانتخابية  تفسير يفتقد تماما للمنطق ويتناقض مع عدة شواهد موضوعية تنسف هذا الطرح من أساسه .
فالمرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية  شهدت مشاركة حزبية واسعة النطاق ، حيث أن هناك 44 حزب سياسي شاركوا في العملية الانتخابية بمرشحين على مقاعد الفردي وعلى مقاعد القوائم ، غالبية هذه الأحزاب تأسست عقب ثرة يناير 2011 ، والكثير منها  يعارض  توجهات السلطة الحالية  ، وقد بلغت نسبة المرشحين  المنتمين لأحزاب من إجمالي المرشحين خلال المرحلة  الأولى أكثر من 34%  ،  وفازت الأحزاب بأكثر من 50% من عدد المقاعد .
الأرقام السابقة تشير بوضوح  أن القوى السياسية والأحزاب الفاعلة – ماعدا تلك المحسوبة أو القريبة من جماعة الإخوان – لم  تقاطع العملية الانتخابية ولم تدعو لمقاطعتها  ، وبالتالي  فانخفاض المشاركة لم يكن  فعلا سياسيا مؤسسيا ، ولا يمكن تفسيره على أنه عملية مقاطعة للعملية الانتخابية ، بقدر ما هو ميل طبيعي لدي كثير من المصريين للعزوف عن المشاركة في الانتخابات ، وهو أمر سيحتاج وقت طويل نسبيا لتغييره ، وسيحتاج جهد مضاعف من الأحزاب والإعلام ومنظمات المجتمع المدني  للتوعية وتحفيز الناس على المشاركة .
انخفاض المشاركة يرجع في كثير من جوانبه إلى الدور السلبي الذي لعبه الإعلام  خلال الفترة السابقة للعملية الانتخابية ، حيث كان هناك تقصير واضح في طرح قضية الانتخابات البرلمانية  بالشكل الذي يتناسب مع أهميتها ، حيث انشغل الإعلام كثيرا بقضايا هامشية تافهة  على حساب  انتخابات البرلمان .
المشاركة المنخفضة في الانتخابات  طغت على ملامح إيجابية أخرى شهدتها المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية ، فلأول مرة منذ سنوات طويلة تنجح  5 نساء في الفوز بمقاعد  بدوائر النظام الفردي  ودون الحاجة لتطبيق نظام  الكوته الذي يضمن تمييزا إيجابيا لها ، كما أنه لأول مرة ينجح ثلاث أقباط في الفوز بمقعد دوائر غالبية ناخبيها مسلمون .
إن صعود النساء والأقباط في المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية يحمل  دلائل ايجابية على أن تغييرا مهما حدث في توجهات ودوافع تصويت المصريين ، وأن  كسر حلقة الطائفية والتحيز ضد المرأة  بات قريبا وفي متناول اليد ، أخذا في الاعتبار أن النساء والأقباط فازوا بالمقاعد بدوائر تنتمي لأحياء فقيرة وتقليدية ، وهو أمر آخر له دلالته أيضا .

تعليقات الفيسبوك

اترك رد